نحن نتحدث هنا عن مراكز سياسية-تجارية تتصل بها مكانيًا مناطق عشوائية شبه ريفية تعيش فيها كتلة هائلة من السكان الذين يقتاتون على ما تقدمه لهم هذه المراكز من ريع، والمراكز لا تستطيع تمدين تلك العشوائيات وإدماجها عضويًا في بنية مدنية موحدة، فهل تستحق هذه "المدن" أن تسمى مدنًا؟! وإذا كان من الصعب علينا أن نجد "مدينة" بالمعنى الحديث للمفهوم في سوريا، فهل يمكننا الحديث أصلاً عن "مجتمع مدني"؟
منذ مطلع هذه الألفية عمل العديد من الناشطين والمثقفين السوريين في مشروع مهم هو "إحياء المجتمع المدني" الذي حمَّلوا السلطة مسؤولية موته وفنائه. الغريب في أمرهم اليوم أنهم ينعون على المجتمع الأهلي انفصاله عن المجتمع المدني، ويتحدثون بذعر عن محاذير استمرار ثورة سيجعلها حاملها الأهلي المتخلف حتمًا ثورةً مذهبية عنيفة، وينتظرون بيأس تحركًا ما من المجتمع المدني. السؤال هو: كيف يرتبط مجتمع أهلي يعيش حيوية الثورة، بمجتمع مدني ميت وبحاجة إلى إحياء؟ وكيف يتحرك مجتمع مدني غير موجود أصلاً؟ يحقُّ لنا فعلاً أن نتساءل عن أي مجتمع مدني يتحدثون؟!
للإجابة عن تساؤلنا يجب أن نعود من جديد إلى المراكز السياسية-التجارية للمدن السورية الكبرى باعتبارها الحاضن الطبيعي لأي مجتمع مدني مفترض، يعيش في هذه المراكز إضافة الى رجال السلطة والمال، المكروهين بشدة من مثقفي "المجتمع المدني" السوري، ما تبقى من الفئة الوسطى السورية التي نجحت إلى حد ما في وقاية نفسها من الانحدار السريع إلى صفوف المهمشين، يعمل معظم أفراد هذه الفئة في مؤسسات الدولة أو في المهن الحرة (الطب، المحاماة، الهندسة... إلخ)، ولهم مصلحة فعلية في "الاستقرار"، ولا يمكن اعتبارهم فئة اجتماعية متجانسة واعية لذاتها، تاليًا لا يجمعهم أي تنظيم مؤسساتي مدني فاعل. فهل هؤلاء هم أفراد "المجتمع المدني" في نظر دعاة هذا المفهوم؟
إن الخلط بين "فئة وسطى" و"المجتمع المدني" يدل على ما هو أكبر من تهرؤ الأدوات المعرفية والجهاز المفاهيمي لأنصار ثقافتنا الكتابية السائدة، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن التخوف من المجتمع الأهلي والحديث عن الريف "المتخلف" يشير فقط إلى مناطق معينة من سوريا ذات طبيعة سكانية ومذهبية واضحة، ولا يشمل مناطق ريفية وروابط أهلية أخرى تعتبر في عرفنا الثقافي "منفتحة" و"متنورة"، أي المناطق الريفية التي تسكنها روابط أهلية تنتمي مذهبيًا إلى الأقليات الطائفية السورية!
فهل التخوف من حراك المجتمع الأهلي في سوريا، والاحتقار المبطن له ولممارساته، والدعوة الدائمة إلى الوصاية عليه وتقويم سلوكه، والتحذير الدائم من المآل الذي قد يجر سوريا إليه، وابتكار جغرافيا متخيلة عن "مدينة" و"مجتمع مدني" في سوريا، هل يخفي هذا كله في ثناياه تعاليًا واحتقارًا طبقيًا تجاه أبناء الثورة من المهمشين، ورهابًا طائفيًا أقلويًا منهم؟!
ربما يكون تحليلنا خاطئًا على كل حال!
*** *** ***
منقول عن موقع معابر للبحوث الانسانية